"ورد": مأساة الذبول الإجباري.. حينما تغتال "الوصاية" فطرة الأنثى
كتب :
حازم الوكيل
في عرض مونودرامي مكثف، استطاعت الفنانة دميانا صدقي أن تجسد مأساة جيل كامل من الفتيات اللاتي حاصرتهن أسوار "العادات" وقضبان "الخوف"، في عرض حمل اسم "ورد". العمل الذي كتبته كاترين فايق وأخرجه عمرو وائل، لم يكن مجرد حكاية فتاة، بل كان تشريحاً لرحلة "الوأد النفسي" التي تبدأ بوردة طبيعية وتنتهي بجثة هامدة وسط زهور صناعية لا روح فيها.
سينوغرافيا الحرمان.. حينما يكون الفراغ بطلاً
اعتمد المخرج عمرو وائل، في العرض الذي شهده اليوم الرابع من ملتقلى "نغم للمسرح"، على ديكور بسيط للغابة البشرية؛ كرسي ودكة ولوحة سوداء في الخلفية، ليعكس الوحشة التي تعيشها البطلة. اللون الأبيض الذي ارتدته "ورد" في البداية كان يمثل الفطرة والنقاء، لكنه سرعان ما بدأ يتآكل مع كل ورقة تقطفها من وردتها الحزينة. الأداء الجسدي لدميانا صدقي كان "الترمومتر" الحقيقي للعرض؛ حيث انتقلت بسلاسة مدهشة بين أدوار الأب المتسلط، الأخ القمعي، والأم المستسلمة، لترسم "دائرة القهر" التي تحاصرها من كل جانب.
ازدواجية المجتمع.. الولد "سند" والبنت "عار"
تجلت فلسفة العرض في المقارنة الصارخة بين "حرية الأخ" و"حبس الأخت"؛ فالأب الذي يسمح للابن بالخروج واللف في الشوارع، هو نفسه الذي يحول حياة "ورد" إلى "مسح وتنظيف ومذاكرة" فقط تحت شعار "بنت الناس المحترمة". القهر هنا لم يتوقف عند حدود البيت، بل امتد للشارع؛ حيث جسد العرض لحظة "التحرش" المرعبة التي تعرضت لها ورد، وكيف تحول المجتمع من شاهد إلى "متهم" لها، ليكون الرد الوحيد من أخيها هو "العيب على الحيوانة اللي راجعة الساعة 10".
الخداع العاطفي.. من "كوكو" إلى "شغل الورد"
انتقل العرض لمنطقة أكثر وجعاً وهي "الخداع العاطفي"؛ حيث صدمت ورد في الحبيب الذي كان يدعي الرقة والاهتمام، ليتحول فجأة إلى شخص "أجش الصوت" يرى أن الورد والبراءة مجرد "شغل قديم" لا يناسب الحياة الجديدة. هذا الكسر النفسي كان بمثابة "فرقعة البلونة" التي أنهت أحلام ورد، وجعلتها تستسلم لمقصلة "كلام الناس" (معمولك عمل، كبرتي، القطر فاتك)، لتقبل في النهاية بزواج هو في الحقيقة "موت معلن" من رجل يكبرها بـ 35 عاماً، لا يربطها به سوى "الأكل والنوم".
النهاية: سيادة الورد الصناعي
في مشهد الختام، تجلت رمزية العرض حين خلعت ورد طرحة الزفاف البيضاء - التي كانت كفناً لروحها - وألقت بالورد الصناعي في الهواء ليغطي جسدها الملقى على الأرض. أغنية "وردة دبلانة في بستان كله ورد صناعي" كانت التلخيص المثالي للمشهد؛ لقد انتصر المجتمع في تحويل الوردة الطبيعية إلى شيء باهت وميت، لأنها "محترمة وبنت ناس" بمعاييرهم القاتلة.
"ورد" صرخة مسرحية توثق كيف تذبل الأحلام تحت وطأة الوصاية الذكورية، ودرس قاسٍ في أن القوة لا تعني القسوة، وأن الورد الحقيقي يحتاج للحرية لكي يحتفظ بكيانه، لا للأقفاص والأسوار.

