الأربعاء ٢٥ / فبراير / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية

بعد خفض الفائدة.. كيف يعيد المصريون التفكير في مدخراتهم؟

كتب : أحمد علي
 بعد خفض الفائدة.. كيف يعيد المصريون التفكير في مدخراتهم؟


لم تأتِ قرارات البنك المركزي المصري الأخيرة بخفض أسعار الفائدة في توقيت عادي، بل تزامنت مع استحقاق شهادات ادخار مرتفعة العائد بقيمة تُقدَّر بين 1.3 و1.5 تريليون جنيه، تبدأ من مطلع يناير/كانون الثاني 2026 وتمتد حتى 23 أبريل/نيسان المقبل، وهو ما وضع أصحاب المدخرات والبنوك معًا أمام اختبار مزدوج يتعلق بمصير هذه السيولة الضخمة.

فبينما تمثل الشهادات المستحقة مصدر دخل رئيسي لشرائح واسعة من المصريين، خاصة أصحاب المعاشات ومحدودي الدخل، تجد البنوك نفسها أمام تحدي الحفاظ على هذه الأموال داخل الجهاز المصرفي لضمان عدم تسربها للأسواق في ظل تراجع العوائد، وتزايد النقاشات حول جدوى تجديد الشهادات أو إعادة توجيه المدخرات نحو بدائل أخرى.

كان البنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة بنسبة إجمالية بلغت %7.25 خلال عام 2025، ، فيما أوقف بنكا الأهلي المصري  ومصر (أكبر بنكين حكوميين في البلاد) ، إصدار شهادات الادخار مرتفعة العائد والتي تم طرحها قبل عامين بفائدة 23.5% و27%، بالتزامن مع التراجع الملحوظ في معدل التضخم.


 وفي هذا السياق وبعيدًا عن لغة البيانات الرسمية، بدا واضحا انعكاس تأثير السياسة النقدية علي سلوك نقاشات الشارع المصري وكيف انتقل أثر القرار من قاعات الاجتماعات إلى طاولات منازل أصحاب المدخرات، حيث يُعاد حساب المستقبل المالي للأسر، ليس بحثًا عن الربح، بل عن الحد الأدنى من الأمان.

و تحولت الأرقام إلى أسئلة يومية يرددها المودعون: هل ما زال الادخار في البنوك آمنًا؟، هل تكفي العوائد الحالية لحماية المدخرات من التضخم؟، وأين يمكن أن تذهب الأموال في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية؟

في البداية تقول الخبيرة المصرفية بيانسية إبراهيم ،  بدء استحقاقات شهادات الادخار مرتفعة العائد والذي تزامن مع قرار خفض معدلات الفائدة على شهادات الادخار الثلاثية ذات العائد الثابت إلى 16% أحدث تغيرًا واضحًا في طريقة تفكير المودعين؛ فبينما يتمسك قطاع منهم بالادخار البنكي باعتباره الخيار الأكثر أمانًا في ظل تقلبات السوق، يفكر آخرون في إعادة توزيع مدخراتهم، أو على الأقل عدم تجديد الشهادات عند انتهاء مدتها بعيداً عن المخاطرة التي تبدد أموالهم.

وتشير إلي أن خفض أسعار الفائدة لا يعني من الناحية الفنية خسارة مباشرة لأصل المدخرات، فالأموال المودعة في البنوك تظل محفوظة، لكن الإشكالية التي يواجهها المودعون تتعلق بما يُعرف بالعائد الحقيقي، أي العائد بعد احتساب التضخم. فمع تراجع الفائدة، واستمرار ارتفاع الأسعار، يشعر كثير من المصريين أن مدخراتهم، رغم ثباتها رقميًا، تفقد قيمتها الفعلية بمرور الوقت".

وتضيف "إبراهيم " أن هذا الشعور لا يقتصر على أصحاب الودائع الكبيرة، بل يمتد إلى شرائح تعتمد على عوائد الشهادات كمصدر دخل شبه ثابت، مثل أصحاب المعاشات أو من ادخروا سنوات طويلة بحثًا عن الاستقرار.


ومن داخل أحد المصارف بمحافظة الإسكندرية شمالي مصر، تقول إيمان عبد العزيز (ربة منزل، 49 عامًا) : "كنا نشعر بقدر من الطمأنينة مع الشهادات الادخارية، لكن بعد خفض الفائدة أصبح القرار أصعب. نحسب الأمور أكثر من مرة، فلا نريد المخاطرة بخسارة مدخراتنا، وفي الوقت نفسه نشعر أن كل الخيارات المتاحة تحمل قدرًا من الخسارة بشكل أو بآخر ولا تتناسب مع الاستثمارات الأخرى التي توفر مكاسب أكبر ".

 ويشاركها القلق أحمد حسن (62 عامًا)، موظف معاش، الذي يعتمد جزئيًا على عوائد شهاداته في تغطية نفقات المعيشة، قائلاً: "بعد خفض الفائدة، العائد لم يعد كافيًا لمواجهة مصاريف الشهر، خاصة مع استمرار ارتفاع الأسعار. نحن لا نبحث عن ربح كبير، بل عن دخل ثابت يحمينا من التقلبات، وهذا ما أصبح مهددًا الآن".

 وفي قراءة مصرفية أوسع، يوضح أشرف القاضي، العضو المنتدب ورئيس بنك المصرف المتحد السابق،  أن خفض البنك المركزي المصري لأسعار الفائدة، وما تبعه من قيام بنوك كبرى مثل الأهلي ومصر بتخفيض عوائد الشهادات ، وسّع من دائرة الخيارات أمام المودعين، دون أن يعني ذلك خروجًا جماعيًا من الجهاز المصرفي.

ويشير "القاضي"، إلى أن شريحة من العملاء لا تزال تثق في القطاع المصرفي وتفضّل تجديد الشهادات بعوائد أقل لكنها مضمونة  للمساعدة في تلبية نفقات المعيشة ، لا سيما أن بعض منها ، ما زالت تقدم نسبًا تُعد مرتفعة نسبيًا مقارنة ببدائل أخرى فيما قد يتجه مودعون آخرون إلى أوعية ادخارية أكثر مرونة مثل حسابات التوفير ذات العائد المتغير أو نحو أدوات مالية أخري مثل أذون الخزانة أو صناديق الاستثمار النقدية إلى جانب السندات الحكومية.

ورغم ذلك يري رئيس بنك المصرف المتحد، أنه بعد انتهاء آجال الشهادات قد يتحرك جزءًا من المدخرات ، إلي الاستثمار في أصول غير بنكية مثل شراء أسهم في البورصة أو اقتناء الذهب والعقارات، وغيرها من البدائل بدافع تحقيق أرباح  مرتفعة و سريعة.

وبشأن النسب المتوقعة لعدم تجديد الشهادات في البنوك الحكومية ، يؤكد أنه لا توجد أرقام رسمية منشورة، لكن اتجاهات السوق بعد خفض الفائدة تُظهر أن النسبة تتراوح عادة بين 5% و10% في الشهادات مرتفعة العائد عند انتهاء استحقاقها، وهو ما يعكس – بحسب وصفه – إعادة تقييم أكثر منه حالة تخارج.


ومن جهته، يقول الدكتور رأفت أبو النجا، الخبير المصرفي في إحدى شركات إدارة الأموال بالبورصة، أن البنوك المصرية تتمتع بسيولة كافية وتحوطات لمواجهة أي تحركات محدودة، مشيرًا إلى زيادة حدة المنافسة بين البنوك والمؤسسات المصرفية خلال الفترة المقبلة  للحفاظ على المستثمرين بطرح شهادات جديدة بعوائد تنافسية، وتقديم منتجات ادخارية مرنة، وتعزيز الخدمات الرقمية، إلى جانب إتاحة التمويل بضمان الشهادات، بما يضمن عدم خروج هذه السيولة الضخمة.

ويؤكد أن العامل النفسي يلعب دورًا محوريًا في هذه المرحلة، إذ يدفع القلق بعض الأفراد إلى البحث عن حلول سريعة دون تقييم كافٍ للمخاطر، لافتًا إلى أن جزءًا من المودعين قد يتجه بالفعل نحو الذهب باعتباره مخزنًا للقيمة في فترات انخفاض العائد الحقيقي، دون أن يشكل ذلك موجة عامة، فيما يظل الإقبال على الدولار محدودًا نسبيًا.

ويرى "ابو النجا"، إن التحول المفاجئ في سلوك الادخار قد يقود إلى قرارات غير محسوبة، لحاملي شهادات الادخار محذرًا من الخلط بين أموال الأمان وأموال الاستثمار، خاصة في ظل الضغوط النفسية التي يفرضها الوضع الاقتصادي.

في المقابل قلل محمد الأتربي، رئيس اتحاد بنوك مصر ورئيس البنك الأهلي المصري من المخاطر التي تهدد خروج  السيولة الضخمة التي نجحت الشهادات البنكية مرتفعة العائد في اجتذابها خلال الفترة الماضية مشددًا على أن هذه السيناريوهات جرى اختبارها من قبل، وأثبتت أن السيولة تبقى داخل المحفظة البنكية في ظل توافر الأوعية الادخارية المختلفة التي تتمتع بها البنوك المصرية.

ويؤكد رئيس اتحاد بنوك مصر  عدم الاتجاه إلى زيادة أسعار الفائدة على الشهادات القائمة عن مستوياتها الحالية، أو طرح شهادات ادخار جديدة، في ظل تراجع معدل التضخم مشيرا إلي أن الاستمرار في معدلات فائدة مرتفعة لا ينعكس فقط على المدخرين، بل يؤدي أيضًا إلى زيادة الأعباء على المواطنين المقترضين، مؤكدًا أن تقييم قرارات السياسة النقدية يجب أن يتم من زاويتين، المودعين والمقترضين معًا.

ويوضح " الأتربي" إن العلاقة بين معدلات التضخم وأسعار الفائدة علاقة طردية، موضحًا أنه "عندما بلغ التضخم نحو 30%، كانت عوائد الشهادات البنكية في حدود 25%، أما الآن ومع تراجع التضخم إلى نحو 12%، أصبحت أسعار الفائدة عند مستوى 17%، وهو ما يعني أن العائد الحقيقي لا يزال يحقق مكسبًا للمواطن".

ويلفت "الأتربي" إلى أن المؤشرات الاقتصادية تشهد تحسنًا ملحوظًا، موضحًا أن من يرغب في المخاطرة تتاح أمامه أدوات مثل الأسهم والذهب والعقارات، في حين تظل الأوعية الادخارية البنكية الخيار الأنسب لمن لا يفضلون المخاطر أو لا يرغبون في تحمل أعباء ضريبية، حتى بعد خفض أسعار الفائدة.

موضوعات ذات صلة