"اعتراف".. صرخة في وجه "الحقيقة" التي نُفصّلها على مقاس أوهامنا
في
قلب استوديو "برانديللو"، وبجرأة فنية تكسر جمود "علبة
المسرح" التقليدية، يضعنا المخرج ياسر فوزي وجهاً لوجه أمام ذواتنا.
هنا لا يوجد ستار خشبي، بل مجرد خيوط ضوئية ملونة تفصل بين جمهور جاء ليشاهد، وبين
قاعة محكمة تحولت إلى مشرحة للضمير الإنساني. عرض "اعتراف"
المستلهم من نص "في غابة" لأكوتاجاوا، لا يبحث عن قاتل هارب، بل
يبحث عن "الحقيقة" التي دفناها جميعاً في غابة مصالحنا الضيقة.
يفتتح
العرض المبدع عمر اللواء، متقمصاً دور "حارس البوابة" بذكاء فطري
مدهش. اللواء لم يقدم "اللوث العقلي" كحالة نمطية، بل صاغ من عزلته
الطويلة جسراً من الشك؛ بحركاته المباغتة وسخريته اللاذعة، كان هو الدليل
"المراوغ" الذي قذف بنا إلى دوامة الحكاية، ليثبت أن الجنون أحياناً هو
مرآة الحقيقة التي نخشى النظر إليها.
وعلى الضفة المقابلة، يبرز أحمد ميدو في دور الصحفي، مقدماً أداءً يتسم بالرصانة والعمق. ميدو كان بمثابة "البوصلة" التي تحاول ضبط إيقاع الفوضى، وببراعة ملحوظة، نجح في توريط الجمهور عبر أسئلته الاستفزازية حول "نسبية الحقيقة". لقد حافظ ميدو على هدوءٍ يسبق العاصفة، فكان المحرك الخفي الذي يدفع الأبطال والجمهور معاً لنزع أقنعة الزيف ومواجهة الحقائق العارية.
أما
مريم توتا، فقد كانت هي القلب النابض بالحيرة في هذا العرض؛ حيث قدمت أداءً
يغوص في تعقيدات "الوجود الأنثوي" وصراعه مع قيود العار. لم تكن مريم
مجرد "ضحية" في روايتها، بل جسدت ببراعة صراع امرأة تتقلب بين رماد
الانكسار وبين نار اليأس التي دفعتها لارتكاب فعلتها. بلعبها على أوتار الغموض،
جعلتنا مريم نتساءل: هل كانت حكايتها استجابة للواقع، أم أنها صياغة ذكية لترميم
كبرياء محطم؟ هذا الأداء المتذبذب بين القوة والضعف هو ما منح العرض ثقله الفلسفي.
كما قدم الفنانين أحمد رضا، ومحمد الهلالي، ومحمود صلاح وأماني سويلم، أداءً كسيمفونية من القلق الجماعي الإبداعي. فبتحركاتهم الواعية في فضاء القاعة، أكدوا لنا أن "العدالة" في هذا العالم ليست غاية مطلقة، بل هي مجرد تبادل للأدوار بين الادعاء والدفاع.
"اعتراف" المأخوذ عن رائعة أكوتاجاوا، هو
صفعة على وجه اليقين؛ إنه تذكير قاسٍ بأننا حين نختار روايتنا الخاصة لما حدث،
فإننا في الحقيقة نغتال "الحقيقة" لننقذ صورتنا في عيون أنفسنا.

